الشيخ محمد رشيد رضا

386

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

حسنت حاله ؛ فهذا هو القول المعروف الذي أمر اللّه أولياء السفهاء به زيادة على حفظ أموالهم وتثميرها والانفاق عليهم منها أقول : فأين مكان هذه الوصايا والأوامر الآلهية من الأولياء والأوصياء الذين نعرفهم في هذا الزمان يأكلون أموال السفهاء ويمدونهم في سفههم ويحولون بينهم وبين أسباب الرشد ليبقوا متمتعين بالتصرف في أمولهم ؟ وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ بين سبحانه في هذه الآية الشرط أو الصفة التي يجب بها إيتاء اليتامى أموالهم كما أمر في آية « وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ » قال الأستاذ الامام ما مثاله : ان ما تقدم من الأمر بايتاء اليتامى أموالهم كان مجملا وفي هذه الآية تفصيل لكيفية الايتاء ووقته وما يعتبر فيه . وقد اختلف العلماء في ابتلاء اليتيم كيف يكون ، فقال بعضهم يعطى شيئا من المال ليتصرف فيه فيرى تصرفه كيف يكون ، فان أحسن فيه كان راشدا وإلا كان على سفهه ، وقال بعضهم : ان الاعطاء لا يجوز إلا بعد الابتلاء وإيناس الرشد ، فمن أعطاه قبل ذلك يكون مخالفا للامر ومجازفا بالمال . والصواب : أن يحضره الولي المعاملات المالية ويطلعه على كيفية التصرف ويسأله عند كل عمل عن رأيه فيه فإذا رأى أجوبته سديدة ورأيه صالحا يعلم أنه قد رشد . واعترض هذا أيضا بأن القول لا يغنى عن الفعل شيئا ، فان قليلا من النباهة يكفى لاحسان الجواب إن قيل له ما تقول في ثمن هذا ؟ وما أشبه ذلك ، واننا نرى كثيرا من الذين نسميهم أذكياء ومتعلمين يتكلم أحدهم في الزراعة عن علم يقول : ينبغي كذا من السماد وكذا من السقي والعذق ، فإذا أرسل إلى الأرض وكلف العمل ينام معظم النهار ولا يعمل شيئا أو يعمل فيسىء العمل ولا بحسنه ، بل ترى من الناس من يتكلم في الاخلاق وكيفية معاملة الناس فيحسن القول كما ينغى ولكنه يسئ في المعاملة فيكون عمله مخالفا لقوله . فقائل هذا القول الثاني قد غفل عن القاعدة التي اتفق عليها العقلاء وهي أن بين العلم والتجربة بونا شاسعا ، فكم رأينا أناسا من المحسنين في الكلام السفهاء في الاعمال الذين إذا سألتهم عن طرق الاقتصاد في المعاملة وتدبير الثروة أجابوك